شكراُ لك اخي الكريم على هذا المقال


الرمزية هى الفن ، إيحاء فمحاكاة فحرية من هيمنة المادة



الرمزيه هى اللون[/IMG]
لوحة لبيكاسو

هل الفن عبارة عن محاكاة للطبيعة وتمثيل للمظهر أم هو تهذيب للنفوس وتجسيد للأقكار والجوهر؟ انطلاقا من هذ السؤال الأزلي، وفى محاولة الجواب عليه للإطلالة على عالم الرمزية، تستوقفنا اجابة هيجل الذى يرى ان الفن مند بدايته مر بثلاث مراحل: اولها المرحلة الرمزية التى هى مرحلة ايحاء بامتياز؛ ثم مرحلة الفن الكلاسيكى اليونانى القديم الذى هو المحاكاة، ثم الفن الرومنسى الذى هو فن تحرير الروح من هيمنة المادة.







وتعريف هيجل هذا هو تعريف اجمال وتصحيف وليس تحديد مذاهب او تصنيف. وغالبا ما يحيلنا مفهوم الفن الرمزى الى الفن المسيحى والكنيسة بالخصوص، حيث تمت عملية التعبير عن كل المعتقدات والمسلمات من مظور دينى خاضع لسلطان الكنيسة.

ربما ليست هناك مدرسة أوثيار فنى تضاربت الأقوال حوله واتسم بعدم الوضوح مثل الرمزية. فكلمة رمز تتعدد وتتلون حسب المجال الفنى أو الحقل المعرفى الذى توظف فيه. مما جعل بعض الدارسين يصفون هذا المصطلح بالغامض كما وصفه "غراهام هو" بالضبابية. لأن الرمز كلمة تتجاذبها عدة علوم وفنون مثل السيمياء والفن والأنثروبولوجيا والمنطق وعلم النفس.. فتعددت المفاهيم بتعدد الفنون، أحيانا نجد الرمز يعنى ما يوحى به وليس ماهو عليه، وأحيانا أخرى يستعمل الرمز عوضا عن شيء آخر لينوب عنه ويقوم مقامه. وهذا ما اعتمدته المدرسة التى اصطلح على تسميتها بالرمزية التى تحول الفن إلى إشارات دالة، فكانت الخطوط والألوان تعبر عن أفكار وأحاسيس يريد الفنان إيصالها إلى الآخرين. والواقع أن العلامات الفنية والأشكال والألوان كلها رموز، وذلك لسبب بسيط هو أن الفنان عندما يضع على لوحته شكلا ما أو لونا فإنه يصبح رمزيا وأن ذلك الشكل أو اللون يصبح رمزا تلقائيا. لأن العمل الفنى بطبيعته يوحى بأكثر مما هو عليه. والفنون كلها رمزية ولو بنسب متفاوتة .اما اذا اردنا ان نعطى تعريفا مختصرا بسيطا لما يعرف بالفن الرمزى قلنا هو الفن الذى ! يستعمل الأشكال والألوان والحركات لتوحى بأشياء وتكون بديلا لها بطريق ة او بأخرى؛ الشئ الذى يحيطها بالغموض ، لأنها تصبح كثيفة الدلالة وغنية بحمولات ومعاني.
وهنا نستحضر تعريف هيجل للرمز، حيث يرى انه شيء مادى محسوس يرمز او يوحى بشيء مجرد كرمزنا بالميزان للعدالة مثلا.

لكن قبل خوضنا فى هذا الجانب بشيء من التقصيل، دعونا نقول أصل مصطلح الرمزية يونانى sumbolom وهو نقيض المجازية، والفنان الذى لقبوه بالرمزى هو الذى يحافظ على الخصائص العامة للطبيعة لكنه يجعلها فى خدمة الغاية التى يرمى إليها هو لا تلك التى تعنيها فى الواقع.

والحقيقة أن الفن منذ نشأته الأولى كان رمزيا حتى وهو فى رحم الكهوف. حيث كان الإنسان البدائى يضع حلا معادلا لكل الظواهر الطبيعية والهواجيس والمخاوف التى تؤرقه ولم يجد جوابا لها ؛ فكان يضع لها رمزا معادلا ويرتاح من ضغطها ويتخلص من خوفه منها؛ وكان هذا اهم ا سباب لجوء انسان تلك الفترة الى الرمز. اما رمزية القرن التاسع عشر التى كانت تعتمد على مقولة افلاطون الشهيرة التى تذهب الى "ان كل المحسوسات ما هى فى الواقع الا رموزا وصورا لحقائق فى عالم المثل"؛ كما كانت عبارة عن ردة فعل الفنانين على الفراغ الروحى والتبرم من القوانين الصارمة للواقعية الكلاسيكية، وانتقاد الواقع ووضع بديل له، بعيدا عن المباشرة؛ متوسلين بالرمز لاكتشاف المعنى والايحاء به، مقتنعين بعجز التعبير المباشر ومعه العقل الظاهر عن التعبير ونقل احساس الرمزيين.

اما الرمزية المعاصرة نسبيا فان توظيفها للرمز فى الأعمال الفنية بصفة عامة لا يعدو ان يكون تحايلا على الظروف السياسية والجهات القمعية الحاكمة التى لا تسمح للفنان بالافصاح عن رأيه صراحة والجهر بصوته عاليا، فيتحايل على عين المراقب، وينفلت من بطش سيف المحاسب. وقد ظهرت صورا من هذا الاتجاه الرمزى عندنا فى العالم العربى منذ الخمسينات، وفى فترات متقطعة هنا وهناك، حيث كان الفنان المطوق برواسب الاستعمار وبعده بأنظمة شمولية صارمة، لا يستطيع الجهر تحتها بانتقاد الواقع المرير، ولا يقدر على الصراخ بصوت الحق فى وجه الجلاد الجائر، فيتوسل بالرمز فى سبيل ايصال رسالته النضالية العادلة، ايحاء وتلميحا دون التصريح، خوفا على نفسه. وغالبا ما رأينا فى الستينات اعمالا عربية تتمحور حول العدالة والحرية لعدد من الفنانين العرب، يستنجدون فيها برموز تظهر تناولا للقضية الفلسطينية، وتبطن نقدا لاذعا للظلم والبطش السائد فى مجتمع الفنان، وتمرر اشارات ذكية الى المتلقى النبه الذى يفهم الرسالة بشكل صحيح.

وهنا اذكر انه فى احد معارضى فى اواخر السبعينات، ومن ضمن اللوحات المقدمة للعرض فى احدى القاعات التابعة للدولة، كانت هناك لوحة رمزية ابرز ما فيها يد جبارة تكسر سلسلة فولادية ضخمة ملتفة حول عنق سجين؛ وقد فوجئت فى آخر لحظة بممانعة المسؤول عن القاعة فى عرضها، فهددت بالغاء المعرض ان لم تعرض هذه اللوحة؛ وكان من المقرر ان يدشن المعرض من طرف جهة رسمية.

ولما وجد هذا الشخص نفسه امام خيارين: عرض اللوحة او الغاء المعرض الذى من المفترض ان يدشن بعد قليل، وافق على عرضها، وفى حفل الافتتاح وعند طوافى بجنبات المعرض رفقة الوفد الرسمي، وعند توقفنا امام اللوحة المذكورة، وحتى قبل ان اسأل عنها او انطق بأية كلمة، بادر هذا المسؤول بالتدخل قائلا لأعضاء الوفد : "هذه لوحة يرمز بها الفنان للقوة العربية وهى تحرر فلسطين المغتصبة".

لقد كان يُنظر الى الفن التشكيلى على انه اقل خطرا من اصناف اخرى من الفنون كالأدب مثلا، ويمكن حصره واحتواء خطره محليا دون السماح بنفاد صوته الى الخارج، الشيء الذى منح التشكيل هامشا للمناورة. لكن كلما اشتد عليه الخناق الا ولجأ الى خدعة الرمز، موظفا لغة سيكولوجبة اي! حائية فى سياق فنى للوصول الى اهدافه.

فالفنان رمزى بطبيعة عمله شاء أم كره، ووظيفة الرمز كما هو عند ليفى شتراوس هى جعل الإنسان يعقل ذاته والعالم من حوله . إنما بدرجات مختلفة؛ حيث يطغى أحيانا الجانب الرمزى على الجانب الجمالي. وهذا طبيعى لأن الفنان عندما يجد نفسه تحت ضغط ظروف تحول بينه وبين التعبير المباشر عن مشاعره وأحاسيسه ـ كما اسلفنا ـ يضطر إلى الإيغال فى الرمزية على حساب الجانب الجمالى ، كما كان الشأن بالنسبة للفنان الفرنسى أيام الاحتلال النازى مثلا. وعلى ذكر الفنان الفرنسى أشير إلى أن الرمز ية فى الأدب انطلقت فى الشعر الفرنسى أولا سنة 1880 وقادت قاطرة الفنون الأخرى لتعم العالم بعد ذلك. لكن يجب الانتباه إلى بود لير عندما يقول: "إن المعرفة الجمالية نقيض المعرفة العادية، إنها معرفة رمزية، فإن غاب الرمز غاب الفن. ألا يفترض الفن تقابلا طبيعيا غير تقليدى بين الشكل الملموس والموضوع الذى يرمز إليه؟"، وبالمقابل لنستمع إلى هربيرت ريد وهو ينبهنا إلى مخاطر الاعتماد الكلى على الرمزية: "فالرمزية لا تدفع بالفنان نحو مقياس قاعدة جمالية بشكل أرفع، فهى لا مبالية كليا، وتكتفى بتصوير الغرض بصورة مختصرة حتى الدرجة القصوى، الصورة أو الفكرة، مثل هذا التصوير يميل واقعيا نحو إعاقة أى تطور لمصلحة الصفات الجمالية".

إن ما يزيد الرمزية غموضا، ويحد من مصداقية تحديدها بكل دقة، اختلاف النقاد ومؤرخى الفن حول تصنيفهم للمنتمين إليها، فمنهم من يعد هذا رمزيا ومنهم من يحسبه وحشيا أو انطباعيا كما هو الشأن مثلا بالنسبة للفنان بول جوجان الذى صنف انطباعيا ثارة ووحشيا ثارة أخرى بينما هو يصنف نفسه رمزيا. فقد أطلق على مذهبه اسم الرمزية .

سيميائيا يفرق العلماء بين الرمز والعلامة لأن هذه الأخيرة لا تتعدى نطاق الإشارة، وتكون مفهومة من قبل الجميع، بينما الرمز أكثر تعقيدا وتجردا ولا يدرك إلا بفهم الفكرة التى يرمى إليها.

وهناك عدة تفريعات وتشعبات وتصانيف للرموز مثل تقسيمها إلى خاصة وعامة، حيث يهتم الفن بالرموز الخاصة وتهتم الأنثروبولوجيا بالرموز العامة. لأن هدف الرموز الخاصة هو التعبير عن الانفعالات الفردية والمواقف الشخصية، بينما تهدف الرموز العامة إلى التواصل بين أفراد المجتمع. أما الفيلسوفة سوزان لانجر فتفرق بين نوعين من الرموز: رموز استدلالية وتستعمل فى العلوم، ورموز تمثيلية، وتستعمل فى الفن، الأولى، اتفاقية، أما الثانية، فليس لها دلالة ثابتة أو قواعد، ولا يمكن استبدالها برموز أخرى كما هو الشأن بالنسبة للرموز الاتفاقية. لأن الرموز التمثيلية متصلة بالذات. وحسب رأى هذه الفيلسوفة الأمريكية فان الإشارة ليس لها معنى نستمده من تأملنا لها وإنما معناها متفق عليه. أما الرموز التمثيلية فمعناها فى ذاتها التى نتأملها وننفعل بها. لأن الصلة بين الشكل والمضمون فى الفن صلة طبيعية وليست اتفاقية. وبهذا نكون قد وقفنا على باب السيمياء كما يسميها دوسوسر أو السيميوطيقا كما يسميها الأمريكى بيرس، فالسيمياء باختصار حسب تعريف دوسوسر هو العلم الذى يدرس حياة العلامة من داخل الحياة الاجتماعية.

ولا بأس من إلقاء نظرة عابرة مختصرة جدا على أهم اتجاهين فى هذا العلم وهما سيمياء دوسوسر وسيميوطيقا بيرس، فقد عرف الأول، الإشارة على أنها علاقة بين الدال والمدلول وليست بين الاسم والمسمى لأنها ذات طبيعة خطية وتكتسب معناها من النظام الذى تندرج فيه.. فالعلامة إذن عند دو سوسر ذات وجهين: الدال والمدلول، أى الصورة الحسية التى تستدعى فى دهننا صورة ذهنية أكثر تجريدا من الصورة الحسية..

أما الأمريكى بيرس فنظريته أكثر اتساعا وشمولية لأنه لم يبقها حبيسة علم اللغة مثل زميله. والعلامة عنده ثلاثية المبنى، تتكون من: المصورة، وتقابل الدال عند دوسوسر. والمفسرة، وتقابل المدلول عند هذا الأخير. والموضوع، ولا نجد مقابلا له عند دوسوسير. فالمصورة هى ما يقوم مقام شيء آخر وينوب عنه، لأنها تخلق فى دهننا علامة معادلة لها وهى المفسرة. والشيء الذى تنوب عنه العلامة يسمى الموضوع.

وهناك عدة تصانيف للعلامات عند بيرس أذكر منها: العلامة الأيقونية وهى التى تكون فيها العلاقة بين المصورة والموضوع علاقة تشابه مثل الصورة الفوتوغرافية. العلامة المؤشرة وهى التى تكون فيها العلاقة بين المصورة والموضوع علاقة سببية مثل الدخان والنار. العلامة الرمزية وهى التى تكون فيها العلاقة بين المصورة والموضوع علاقة عرفية عير معللة مثل الحمامة والسلام، فالحمامة هى الدال والسلام هو المدلول وتنتج العلاقة بين الاثنين العنصر الثالث وهو الحمامة بوصفها علامة. والرمز عند موريس علامة العلامة، أى هو العلامة التى تنوب عن علامة أخرى.

غير أن المحاولات المحدودة والمعدودة التى بذلها السيميائيون لدراسة الرموز الفنية وتقعيدها باءت بالفشل لارتباط الرموز الفنية بالذات المبدعة، وكانت أهم المحاولات فى الميدان الفنى تلك التى قام بها امبيرطو ايكو.

وتجدر الإشارة إلى مساهمات علم النفس فى دراسة الرموز الفنية خصوصا على يد سيجموند فرويد وزميله كارل يونج اللذين ربطا بين الرموز الموجودة فى الأعمال الفنية ومعانيها الكامنة فى اللاشعور.

وقد قال بعضهم: الفن لغة من الرموز، وبين الجهاز المتلقى عند الإنسان والجهاز المنفذ جهاز ثالث هو الجهاز الرامز.

شخصيا، لا أؤمن بامكانية وجود مذهب فنى تشكيلى رمزيو لسبب بسيط وهو ان هذا الفن اصلا رمزى بطبيعته؛ لأنه يعمل ضمن منظومة تحكمها انساق رمزية خاصة باللغة التى يتحدثها.

محمد الزبيرى
فنان تشكيلى مغربي
alarabonline.org